علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

230

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر حتى كان الرجل يمرض فيقول : لئن عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحتطبن في نار إبراهيم ، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتسابا في دينها ، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم ، فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا فاشتعلت النار واشتدت حتى إن الطير ليمر بها فتحرق من شدة وهجها وحرها ، فأوقدوا عليها سبعة أيام ، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه ، فقيل إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة : أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره ، فأذن لنا في نصرته فقال اللّه تعالى : إنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك ، وإن لم يدع غيري ، فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه وقال : إن أردت أخمدت النار ، وأتاه خازن الهواء وقال : إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكم حسبي اللّه حسبي اللّه ونعم الوكيل . وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه في النار : لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار ، فاستقبله جبريل فقال : يا إبراهيم ألك حاجة فقال : أما إليك فلا قال جبريل فاسأل ربك فقال إبراهيم : حسبي من سؤالي علمه بحالي ( خ ) عن ابن عباس في قوله تعالى وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قال : قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ قال كعب الأحبار : جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار ( ق ) عن أم شريك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أمر بقتل الأوزاغ - زاد البخاري - وقال كان ينفخ على إبراهيم » ( قلنا ) يعني قال عز وجل . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 69 إلى 71 ] قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ قال ابن عباس : لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها ، وفي بعض الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم ، ولو لم يقل على إبراهيم بقيت ذات برد أبدا ، وقيل : أخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس . قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه قالوا : وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام ، قاله المنهال بن عمرو وقال إبراهيم : ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت في النار . قيل : وبعث اللّه تعالى ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه . قالوا : وبعث اللّه عز وجل جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه ، وقال جبريل : يا إبراهيم إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبائي . ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب ، فناداه يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم . قال : هل تخشى إن قمت أن تضرك قال لا . قال : فقم فأخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما وصل إليه قال له يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك قاعدا إلى جنبك ؟ قال : ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها فقال نمرود